ابن تيمية
10
مجموعة الرسائل والمسائل
والمنزلة عند الله ، وهو كلماته الدينية والقدرية الكونية عند الله بكلماته الكونيات ، ومعجزات الأنبياء عليهم السلام تجمع الأمرين ، فإنهما حجة على النبوة من الله وهي قدرة . وأبلغ ذلك القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، فإنه هو شرع الله وكلماته الدينيات ، وهو حجة محمد صلى الله عليه وسلم على نبوته ومجيئه من الخوارق للعادات . فهو الدعوة وهو الحجة والمعجزة . وأما القسم الثاني فمثل من يعلم بما جاء به الرسول خبراً وأمراً ويعمل به ويأمر به الناس ، ويعلم بوقت نزول المطر وتغير السعر ، وشفاء المريض ، وقدوم الغائب ، ولقاء العدو ، وله تأثير إما في الأناسي ، وإما في غيرهم بإصحاح وإسقام وإهلاك ، أو ولادة أو ولاية أو عزل . وجماع التأثير إما جلب منفعة كالمال والرياسة ، وإما دفع مضرة كالعدو والمرض ، أو لا واحد منهما مثل ركوب أسد بلا فائدة ، أو إطفاء نار ونحو ذلك . وأما الثالث فمن يجتمع له الأمران ، بأن يؤتى من الكشف والتأثير الكوني ، ما يؤيد به الكشف والتأثير الشرعي . وهو علم الدين والعمل به ، والأمر به ، ويؤتى من علم الدين والعمل به ، ما يستعمل به الكشف والتأثير الكوني ، بحيث تقع الخوارق الكونية تابعة للأوامر الدينية ، أو أن تخرق له العادة في الأمور الدينية ، بحيث ينال من العلوم الدينية ، ومن العمل بها ، ومن الأمر بها ، ومن طاعة الخلق فيها ، ما لم ينله غيره في مطرد العادة ، فهذه أعظم الكرامات والمعجزات وهو حال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق وعمر وكل المسلمين . فهذا القسم الثالث هو مقتضى ( إياك نعبد وإياك نستعين ) إذ الأول هو العبادة ، والثاني هو الاستعانة ، وهو حال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والخواص من أمته المتمسكين بشرعته ومنهاجه باطناً وظاهراً ، فإن كراماتهم كمعجزاته لم يخرجها إلا لحجة أو حاجة ، فالحجة ليظهر بها دين الله ليؤمن الكافر ويخلص المنافق ويزداد الذين